الحضارات الإنسانية من دائن إلى مدين

سبتمبر 21, 2012 عند 8:45 م | أرسلت فى Uncategorized, مدونة, مدونة بهائي مصري, مدونة باقة ورد, مدرس, مدرسات, مدرسة, الفنون, القاهرة, القرآن الكريم, الأديان, الأسرة, البهائية, التوراة, الغرفة البهائية لحوار الأديان, حضرة الباب, حضرة بهاء الله, حضرة عبد البهاء, رياضة, زواج, طفولة, عالم, عادات | تعليقات

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر قام عباس أفندي ، بأمر صادر من أبيه حضرة بهاء الله ، بوضع رسالة يوضح فيها الوسائل التي يمكن لشعوب الشرق من خلالها أن تنهض من كبوتها وتخرج من ظلام التخلف والانحطاط الحضاري لتتبوأ مكانها اللائق بها بين شعوب العالم والخروج من مأزق ( الانسداد التاريخي )
عرفت تلك الرسالة طبقا لمحتواها باسم (الرسالة المدنية ) وهى تعالج موضوعا من أهم الموضوعات شأنا في عصرنا الراهن إلا وهو موضوع الحضارة الإنسانية ، أسسها وأصولها ، وحقيقة كيانها وجوهر نظامها ، بأسلوب شائق ونهج جذاب ، ينسجم فيه منطق العلم مع الروح والإيمان بالله ، فتأتي ( الرسالة المدنية ) وثيقة تاريخية هامة تزيل كثيرا من الغموض الذي يحيط بشؤوننا الإنسانية ، وتشير بكل وضوح إلى ما يعتري عالم اليوم من مشاكل خطيرة يمكن التغلب عليها إن خلصت النوايا وتطهرت النفوس من أدران المادية البحتة والانحراف عن جادة الحقيقة .
ترسم (الرسالة المدنية) لنا معالم الحضارة الحقيقة التي وضع أصولها وبين هيكلها العام بهاء الله ، مؤسس الدين البهائي ، الذي نادي بوحدة العالم الإنساني وبأن الأديان كلها دين واحد مصدرها واحد ، وهدفها واحد ، وبأن الأقوام جميعا أوراق شجرة واحدة وقطرات بحر واحد .
أتم عباس أفندي هذه الرسالة في عام 1875 وهو لازال في سجن عكاء بصحبة والده الجليل بهاء الله . الرسالة موجهة إلى أبناء وطنه من الإيرانيين وإلى حكامهم ، ويؤكد في رسالته عظمة الأديان السماوية ودورها الفعال المؤثر في تطور المجتمع وخدمة العالم الإنساني ، وفي هداية الأمم عبر الأجيال والقرون ، ويبين أيضا قوة الكلمة الإلهية ونفوذ أثرها في إرشاد البشر إلى سواء السبيل وفي معالجة الأمراض الاجتماعية في كل دور وعصر . ويدحض في رسالته هذه فيما يدحض مزاعم أعداء الإسلام وحركاتهم المشبوهة في التقليل من قدره وتزييف أهدافه السامية وتعاليمه السماوية ، فيصبح عبد البهاء أنبل مدافع عن حقيقة الدين الحنيف ، فيبرهن بالحجة المقنعة أن الإسلام الصحيح ماجاء إلا لتربية البشر ورفع مستوى الإنسان ونشر روح الخير والتسامح والسلام في العالم .
ثم يذكر عبد البهاء في رسالته عظم الرسالة المحمدية وينعتها ( بسراج النبوة الكبرى الوهاج في زجاجة البطحاء ) ويؤكد بأن المجتمع الجاهلي تحول (بفضل تربية هذا المربي العظيم ) إلى أمة نشرت العلم والحضارة في العالم ، ونجح العرب بفضل ذلك المربي الحقيقي وهو الرسول الكريم في :
أن يفتحوا ممالك مصر والسّريان والشّام والكلدان والعراق وإيران، ويديروا وحدهم جميع أمور أقاليم العالم الأربعة، وخلاصة القول إنّ العرب فاقوا كلّ الأمم والأقوام في جميع العلوم والفنون والمعارف والحكمة والسّياسة والأخلاق والصّنائع والمخترعات. والواقع أنّ بلوغ مثل هذه ( القبائل العربية ) إلى أقصى درجات الكمال البشريّ في مدّة يسيرة لأعظم برهان على صحّة نبوّة سيّد الكائنات. وكانت جميع طوائف أوروبّا تكتسب الفضائل ومبادئ المدنيّة من المسلمين القاطنين في ممالك الأندلس في عصور الإسلام الأولى، ولو أمعن النّظر في الكتب التّاريخيّة لاتّضح أنّ اكبر جانب من تمدّن أوروبّا مقتبس من الإسلام، حيث قام علماؤها بجمع كافة كتب حكماء المسلمين وعلمائهم وفضلائهم شيئًا فشيئًا، وأخذوا يطالعونها في المعاهد والجامعات العلميّة ويناقشونها بكمال الدّقّة مطبّقين ما كان مفيدًا منها. وإنّنا نرى أنّ نسخًا من كتب علماء المسلمين المفقودة الآن من الممالك الإسلاميّة موجودة في مكتبات أوروبّا، وأنّ أكثر القوانين السّارية والأصول المعمول بها في كلّ ممالك أوروبّا وربّما جميع مسائلها فمقتبسة من الكتب الفقهيّة الإسلاميّة وفتاوى علمائها ولولا الخوف من الإطالة لحرّرت المسائل المقتبسة مسألة. ) مقتطف من الرسالة المدنية من أثار حضرة عبد البهاء ص 75 ، 58 – المكتبة البهائية
كان موضوع ما أسهم به العرب والمسلمون في الحضارة الإنسانية ، التي ازدهرت في العالم الغربي ، من المواضيع الرئيسية التي كررها عباس أفندي في محاضراته العامة في أوروبا وأمريكا . وكان الغرض من التأكيد على هذا الموضوع في رسالة يوجهها إلى عالم الشرق الإسلامي هو تذكير المعارضين للاستفادة من خبرات الغرب أن أساس المدنية الغربية إلى حد كبير هي المدنية التي جاء بها الإسلام ، والحضارة أخذ وعطاء وقد صرح الأستاذ عباس محمود العقاد في عام 1946 بما يدعم هذا الرأي :
(…إن الأمم الشرقية والغربية دائنة ومدينة في تراث الحضارة الإنسانية ، وأنه مامن أمة لها تاريخ مجيد إلا وقد أعطت كما أخذت من ذلك …والأمم تستفيد في باب الحضارة على الرغم منها وعلى الرغم عمن يفيدها ..)
كان عباس أفندي حريصا على أن يفهم الإيرانيون والشرقيون وخاصة العالم الإسلامي بأن هناك حضارة واحدة هي الحضارة الإنسانية وأننا كلنا ، بغض النظر عن أدياننا وأوطاننا وثقافاتنا ، شركاء في هذه الحضارة الواحدة . وهذا ما وصل إليه اليوم أحد أبرز المفكرين العرب المتعاطين مع قضايا التنمية والعولمة والحداثة إذ يقول :
( إن العالم اليوم يتجه أكثر فأكثر إلى أن يكون موحد الحضارة ، متعدد الثقافات فبالأمس كانت هناك حضارات ، وفي جملتها أو حتى في مقدمتها ، الحضارة العربية الإسلامية . أما اليوم فلم يعد ثمة وجود إلا لحضارة واحدة الحضارة العالمية ، على أن صفة التعدد ماعاد يمكن إطلاقها إلا على الثقافات التي هي بالضرورة قومية ) مقتطف من كتاب صالح هاشم بعنوان الانسداد التاريخي
(المقال مأخوذ من كتاب عباس أفندي في الذكرى المئوية لزيارته إلى مصر من عام 1910 إلى 1913 )

About these ads

تعليقات »

خلاصة "RSS" للتعليقات على هذه التدوينة. عنوان التتبع

  1. قادتنى الصدفه لآكتشف عودتكم للكتابه – دائما مقالاتكم هادفه لبنيان عالم انسانى جديد تملآه الحضاره المدنيه الانسانيه – شكرا لكم وسعيد بمدونتك ومشتاق للقائكم – لكم التحيه والتقدير والى تقدم معنوى وفكرى دائم يستفيد منه قراء مدونتكم

  2. دائما أشعر بالسرور عندما أجد تعليق حضرتك ومتابعتك لمدونتى …………………زشرفت أستاذي الفاضل سلامي وتحياتي لأسرتك الغالية


اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى WordPress.com. | Theme: Pool by Borja Fernandez.
المدخلات و تعليقات feeds.

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: