عالم يتبدل

اغسطس 19, 2011 عند 8:54 م | أرسلت فى Uncategorized | تعليق واحد

            قد أصبح معلومًا لدى العموم، اختراق العالم في القرن التّاسع عشر وابتداء القرن العشرين سكرات موت العصر القديم وطلقات ولادة العصر الجديد، وقد أخذت أصول المادّيّة القديمة والمصلحة الفرديّة والتّعصّبات والعداوات الوطنيّة والمذهبيّة بالاضمحلال، وصارت أمورًا مفضوحةً يجب نبذها، بسبب التّدميرات التّي نشأت عنها، وفي كلّ جهة من جهات العالم نرى علامات روح إيمان جديد وأخوّة دوليّة تكسر القيود القديمة وتتجاوز الحدود العتيقة.

وتجري الآن في جميع شؤون الحياة الإنسانيّة تحوّلات ثوريّة ذات شأن عظيم لم يسبق لها مثيل، وترى العصر القديم في صراع دائم مع العصر الجديد، وفي تقلّب بين الحياة والموت، ولم يتم للآن إحتضاره.  وهناك شرور عديدة لا تزال قويّةً هائلةً، ولكنّها قد انكشف سترها، وأخذ العالم في محاربتها والهجوم عليها بقوّة جديدة وبأمل وطيد.  نعم إنّ السّحب قد تكاثفت، وامتدّت، وهدّدت، ولكنّ النّور آخذ في تبديدها وتقويضها، وهو ينير طريق التقدّم، ويكشف العقبات والمهاوي التّي تعترض الطّريق المستقيم.

 أمّا في القرن الثّامن عشر، فقد كان الأمر على خلاف ذلك، فإنّ الظّلمة الرّوحانيّة والأخلاقيّة التّي استولت على العالم فيه لم يكد يخترقها أيّ شعاع من النّور، بل كانت كالظّلمة الحالكة التّي تتقدّم ظهور الفجر، ولم تستطع المصابيح والشّموع القليلة التّي كانت حينذاك موجودة، أن تبيّن شيئًا من الظلام إلاّ قليلاً.  وممّا كتبه كارلايل عن القرن الثّامن عشر في كتابه (فردريك العظيم) ما يأتي: “إنّه قرنٌ ليس له تاريخٌ مهم، بل تاريخه نزر قليل يكاد يكون معدومًا، وهو قرن مشحون بالأباطيل المتراكمة… ممّا لا يوجد له شبيه في القرون الأولى! ولم يكن عند أهله شعور بما كان قرنهم عليه من الضّلال الذّي نما فيه، بل انغمس فيه واختلط به لحمًا ودمًا، وطفح به الكيل إلى أن انتهى بالثّورة الفرنسيّة.وهي خاتمة لائقة جدًا بمثل هذا القرن، كما أشعر بسرور لذلك… لأنّ بني البشر الذّين استولى عليهم الطّيش والبلادة كانوا في حاجةٍ إلى “دين إلهيّ جديد”، لئلا يسقطوا في هاوية التّوحش 

والتّقليد” 

        والوقت الحاضر، بالنّسبة إلى القرن الثّامن عشر، بمثابة الفجر بعد الظّلام، وكظهور الرّبيع بعد الشتاء، فترى العالم يموج بحياة جديدة، ويصدع بأفكار سامية جديدة، وآمال جديدة، وأنّ الأمور التّي كانت منذ سنين قليلة تعدّ حلمًا مستحيلاً، قد أصبحت الآن من الحقائق الثّابتة، وكذلك الكثير من الأمور التّي كانت تُعتبر بعيدةً وغير محتملة الوقوع إلاّ بعد مرور أجيال عديدة، أصبحت “مناهج عمليّة”، وشاهدنا عجائب عديدةً لا تحصى، فقد طرنا في الهواء وغصنا في أعماق البحار، وأصبحنا نرسل الرّسائل حول الأرض بسرعة البرق، وخلال عقود السّنوات الأخيرة رأينا عجائب لا تحصى.  

]

تعليق واحد »

خلاصة "RSS" للتعليقات على هذه التدوينة. عنوان التتبع

  1. الموضوع مهم يوضح الفرق بين القديم والجديد فى نظر المؤرخ – ونحتاج لاضافة تعليقك بالتوضيح لبعض الجوانب ككاتبه معجبه بما احتواه النص وكمؤمنه بالجديد وهذا من وجهة نظرى فى المواضيع المنقوله على وجه العموم – وشكرا لجهودكم


اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى WordPress.com. | Theme: Pool by Borja Fernandez.
المدخلات و تعليقات feeds.

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.